فصل: ومن باب من أحيا حسيرًا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم السنن



.ومن باب الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده:

قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد، عَن أبي بكر بن محمد عن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل أفلس فأدرك الرجل متاعه بعينه فهو أحق به من غيره».
قال الشيخ وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان رضي الله عنه وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا يعلم لهما مخالف في الصحابة وهو قول عروة بن الزبير وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق.
وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وابن شبرمة هو أسوة الغرماء.
وقال بعض من يحتج لقولهم هذا مخالف للأصول الثابتة ولمعانيها والمبتاع قد ملك السلعة وصارت من ضمانه فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، وتأولوا الخبر على الودائع والبيوع الفاسدة ونحوها.
قال الشيخ والحديث إذا صح وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس إلاّ التسليم له وكل حديث أصل برأسه ومعتبر بحكمه في نفسه فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة أو يتذرع إلى إبطاله بعدم النظير له وقلة الأشباه في نوعه وههنا أحكام خاصة وردت بها أحاديث، فصارت أصولًا كحديث الجنين وحديث القسامة والمصراة.
وروى أصحاب الرأي حديث النبيذ وحديت القهقهة في الصلاة وهما مع ضعف سندهما مخالفان للأصول فلم يمتنعوا من قبولها لأجل هذه العلة وأما نقض ملك المالك فقد جاء في غير موضع من الأصول، كالمشتري الشقص يملكه بالعقد ثم ينقض حق الشفيع ملكه فيسترجعه، وتملك المرأة الصداق بنفس العقد بدليل أنه لو كان عبدًا فأعتقته أو باعته كان العتق نافذًا والبيع جائزًا ثم أنه إذا طلقها الزوج قبل الدخول انتقض الملك عليها في نصفه.
وقد يختلف المتبايعان في الثمن بعد العقد فيتحالفان ويعود الملك إلى البائع وقد يؤجر داره سنة بأجرة معلومة فتهدم الدار فيرد المؤاجر الأجرة ويكاتب عبده ثم يعجز فيبطل العقد ويعود ملكًا يتصرف فيه كما كان، وقد يقدم المرتهن بما في يده من الرهن على سائر الغرماء فيكون أحق به ولم يستنكر شيء من هذه الأمور ولم يعبأ بمخالفتها سائر الأصول، وكذلك الحكم في المفلس. وقد قال الكوفيون لو وهب عبدًا له على عوض فأفلس المرتهن فإن رب الهبة أحق بعين ماله، والموهوب منه المال مالك عندهم ملكًا تامًا، ولكن لأجل تعلقه بالعوض ينفق عليه ملكه، وهذا بعينه هو حكم الإفلاس على معنى ما ورد به الخبر. وكذلك قالوا في المحال عليه إذا أفلس رجع المحتال على المحيل.
وأما تأويل من تأول الحديث وخرجه على الودائع ونحوها فإنه غير مستقيم لأن ذلك يعطل فائدة الخبر إذ كان ذلك أمرًا معلومًا من طريق العلم العام من جهة الإجماع، والخبر الخاص إنما يرد لبيان حكم خاص، وأبو هريرة راوي الحديث قد تأوله على البيع الصحيح لما جاءه خصمان، فقال هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فدل على صحة ما ذهبنا إليه والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء».
قال الشيخ ذهب مالك إلى جملة ما في هذا الحديث، وقال إن كان قبض شيئًا من ثمن السلعة فهو أسوة الغرماء.
وقال الشافعي لا فرق بين أن يكون قبض شيئًا أو لم يقبضه في أنه إذا وجد عين ماله كان أحق به.
وقال مالك إذا مات المبتاع فوجد البائع عين سلعته لم يكن أحق بها.
وعند الشافعي إذا مات المبتاع مفلسًا والسلعة قائمة فلصاحبها الرجوع فيها.
وقد روي، عَن أبي هريرة من غير هذا الطريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به». وقد ذكره أبو داود في هذا الباب.
قال: حَدَّثنا محمد بن بشار، قال: حَدَّثنا ابن أبي ذئب، عَن أبي المعتمر عن عمر بن خَلْده، عَن أبي هريرة.
وحديث مالك الذي احتج به مرسل غير متصل.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف الطائي، قال: حَدَّثنا عبد الله بن عبد الجبار الخبايري، قال: حَدَّثنا إسماعيل بن عياش عن الزبيدي عن الزهري، عَن أبي بكر بن عبد الرحمن، عَن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وقال فيه فإن كان قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو أسوة الغرماء وأيما امرئ هلك وعنده متاع بعينه اقتضى منه شيئًا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء.
قال الشيخ وهذا الحديث مسندًا من هذا الطريق يضعفه أهل النقل في رجلين من رواته ورواه مالك مرسلا فدل أنه لا يثبت مسندًا ولو صح لكان متأولًا على أن البائع مات موسرًا بدليل الخبر المتقدم الذي رواه عمر بن خلدة وأما إذا كان قد اقتضى شيئًا من الثمن فإن الشافعي لا يجعله في بقية الثمن أسوة الغرماء وذلك لأن هذا الخبر لما لم يصح عنده متصلا صار إلى القياس فجمع بين الأمرين ولم يفرق لأن الذي له الارتجاع في كل الشيء كان له ذلك في بعضه كالشفيع إذا كان له أن يأخذ الشقص كله كان له أن يأخذ البعض الباقي بعد تلف البعض.

.ومن باب من أحيا حسيرًا:

قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حَدَّثنا حماد قال: وحدثنا موسى، قال: حَدَّثنا أبان عن عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن الشعبي قال عن أبان أن عامر الشعبي حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وجد دابة قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي» له قال في حديث أبان قال عبيد الله فقلت عمن قال عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ وهذا الحديث مرسل وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ملكها لم يزل عن صاحبها بالعجز عنها وسبيله سبيل اللقطة فإذا جاء ربها وجب على واجدها رد ذلك عليه.
وقال أحمد بن حنبل وإسحاق هي لمن أحياها إذا كان صاحبها تركها مهلكة واحتج إسحاق بحديث الشعبي هذا وقال عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة فيها وفي النواة التي يلقيها من يأكل التمر إن قال صاحبها لم أبحها للناس فالقول قوله ويستحلف إن لم يكن أباحها للناس.

.ومن باب الرهن:

قال أبو داود: حدثنا هناد عن ابن المبارك عن زكريا عن الشعبي، عَن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قال لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا وعلى الذي يركب ويحلب النفقة».
قال الشيخ قوله: «وعلى الذي يحلب ويركب النفقة» كلام مبهم ليس في نفس اللفظ منه بيان من يركب ويحلب من الراهن أو المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن.
وقد اختلف أهل العلم في تأويله فقال أحمد بن حنبل للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وكذلك قل له إسحاق بن راهويه.
وقال أحمد بن حنبل ليس له أن ينتفع منه بشيء غيرهما.
وقال أبو ثور إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد، قال وذلك لقوله: «وعلى الذي يحلب ويركب النفقة».
وقال الشافعي منفعة الرهن للراهن ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الاحتفاظ به للوثيقة.
وعلى هذا تأول قوله: «الرهن مركوب ومحلوب» يرى أنه منصرف إلى الراهن الذي هو مالك الرقبة.
وقد روى نحو من هذا عن الشعبي وابن سيرين.
وفي قوله: «الرهن مركوب ومحلوب» دليل على أنه من أعار الراهن أو أكراه من صاحبه لم يفسخ الرهن.
قال الشيخ رحمه الله وهذا أولى وأصح لأن الفروع تابعة لأصولها والأصل ملك الراهن، ألا ترى أنه لو رهنه وهو يسوى مائة، ثم زاد حتى صار يسوى مائتين ثم رجعت قيمته إلى عشرة إن ذلك كله في ملك الراهن.
ولم يختلفوا أن للمرتهن مطالبة الراهن بحقه مع قيام الرهن في يده ولأنه لا يجوز للمرتهن أن يجحد المال في هذه الحال ولو كان الرهن عبدًا فمات كان على الراهن كفنه، فدل ذلك على ثبوت ملكه عليه وإن كان ممنوعا من إتلافه لما يتعلق به من حق المرتهن ولو جاز للمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة لكان ذلك معاوضة مجهول بمجهول وذلك غير جائز فدل على صحة تأول من تأوله على الراهن.
وقد روى الشافعي في هذا ما يؤكد قوله حديث الأصم.
قال أخبرنا الربيع، قال: حَدَّثنا الشافعي، قال: حَدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه»، قال ووصله ابن المسيب، عَن أبي هريرة من حديث ابن أبي أنيسة.
ففي هذا ما دل على صحة قول من ذهب إلى أن دره وركوبه للراهن دون المرتهن، فأما قوله: «لا يغلق الرهن» معناه أنه لا يستغلق ولا ينعقد حتى لا يفك والغَلق الفكاك، وحقيقته أن الرهن وثيقة في يد المرتهن يترك في يده إلى غاية يكون مرجعها إلى الراهن وليس كالبيع يستغلق فيملك حتى لا يفك.
وقوله: «الرهن من صاحبه» معناه الرهن لصاحبه، والعرب تضع من موضع اللام قال الشاعر:
أمن آل ليلى عرفت الديارا ** أبجنب الشقيق خلا قفارا

وكقول زهير:
أمن أم أوفى دِمنَة لم تكلم

وإذا كان الرهن من ملك صاحبه كان تلفه من ملكه دون ملك المرتهن.
وفي قوله: «له غنمه» دليل على أنه يملك من غنمه وهو دره وولده وسائر منافعه ما لا يملك من الأصل في الحال، ولولا ذلك لم يكن لهذا التفصيل معنى ولا كان فيه فائدة إذ كان معلومًا أن الفروع تابعة في الملك لأصولها ولاحقة في الحكم بها.
وفيه دليل على أن المنافع غير داخلة في الرهن. وفيه دليل أن استدامة القبض ليس بشرط في الرهن، وذلك أن الراهن لا يركبها إلاّ وهي خارجة من قبض المرتهن غير أنه لا يركبها إلاّ نهارًا ويردها بالليل إلى المرتهن ولا يسافر بها.
وقد اختلف الفقهاء فيما يحدث للرهن من نماء أو نتاج وثمرة هل يدخل في الرهن أم لا.
فقال أصحاب الرأي الولد والنتاج والثمرة رهن مع الأصل، إلاّ أنهم فرقوا بين الرهن والولد في الضمان فقالوا الرهن مضمون والولد الحادث بعد الرهن غير مضمون.
وقال الشافعي النماء المتميز من الرهن لا يدخل في الرهن.
وفي قوله: «وعليه غرمه» دليل على أن الرهن غير مضمون، وفيه دليل على أن مؤنته على الراهن، ومعنى الغرم النقص هاهنا.
وقد اختلف الناس في هذا فقال الشافعي وأحمد بن حنبل هو غير مضمون وقال مالك هو غير مضمون فيما يظهر هلاكه من عقار وحيوان ونحوهما، وما كان مما لا يظهر فهو مضمون.
وقال أصحاب الرأي إن كان الرهن أكثر مما رهن به فهلك بما فيه والمرتهن أمين في الفضل، وإن كان أقل رد عليه النقصان وكذلك قال سفيان الثوري وهو قول النخعي، واحتجوا بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في الرهن يترادان الفضل فإن أصابته جائحة برئ.
وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضمان الرهن حديث، وقد روى شريح والحسن والشعبي ذهبت الرهان بما فيها.
قال الشيخ ذكر أبو داود في هذا الباب حديثا لا يدخل في أبواب الرهن.
قال: حَدَّثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حَدَّثنا جرير عن عمارة بن القعقاع، عَن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة مكانهم من الله، قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبرنا من هم، قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها» وذكر الحديث.
قال الشيخ قوله: «تحابوا بروح الله» فسروه القرآن، وعلى هذا يتأول قوله: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} [الشورى: 52] وسماه روحًا والله أعلم لأن القلوب تحيى به كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.

.ومن باب الرجل يأكل من مال ولده:

قال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عمارة بن عمير عن عمته عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه».
قال الشيخ فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجدًا لها، واختلفوا في صفة من تجب لهم النفقة من الآباء والأمهات، فقال الشافعي إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمن فإن كان له مال أو كان صحيح البدن غير زمن فلا نفقة له عليه.
وقال سائر الفقهاء نفقة الوالدين واجبة على الولد ولا أعلم أحدا منهم اشترط فيها الزمانة كما اشترطها الشافعي.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع، قال: حَدَّثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي مالًا وولدًا وإن والدي يجتاح مالي، قال أنت ومالك لوالدك إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم».
قال الشيخ قوله يجتاح مالي، معناه يستأصله ويأتي عليه، والعرب تقول جاحهم الزمان، واجتاحهم إذا أتى على أموالهم، ومنه الجائحة وهي الآفة التي تصيب المال فتهلكه.
ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده مآله إنما هو سبب النفقة عليه، وإن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه إلاّ بأن يجتاح أصله ويأتي عليه فلم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرخص له في ترك النفقة عليه، وقال: «له أنت ومالك لوالدك» على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من ماله نفسه وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فإما أن يكون أراد به إباحة ماله وخلاه واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحدًا ذهب إليه من الفقهاء والله أعلم.